الثلاثاء، 7 يناير 2014

العلاقة الدبلوماسية في السيرة النبوية ـ فتح مكة

فتح مكة
بقلم: محمد علي الوافي ـ الباحث/ مركز الدراسات العربية والإفريقية، جامعة جوهرلال نهروـ نيودلهي

عمرة القضاء:
إنه بموجب صلح الحديبية، خرج النبي صلى الله عليه وسلم ومعه أصحابه رضوان الله عليهم، وكان عددهم ألفين ما عدا النساء والصبيان، ومنهم من صُدّ عن العمرة في السنة الماضية وذلك في شهر ذي القعدة، من سنة سبع بناء على بنود الاتفاقية القاضية بأن يرجع صلى الله عليه وسلم وأصحابه من الحديبية فلا يدخلون مكة ولا يعتمرون على أن يعودوا في السنة القابلة فتخلى لهم مكة ثلاثة أيام يعتمرون ثم يعودون لا يمسهم سوء، وتسمى هذه العمرة عمرة القضاء، أو القضية أو عمرة الصلح[1] أيضا.
لقد كان تأثير هذه العمرة على قريش وعلى عرب الجزيرة تأثيرا بالغا، إذ وقف كثير منهم عند دار الندوة بمكة، كما عسكر آخرون فوق الهضاب المحيطة بها ليشهدوا دخول الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه. وقد ترتب على هذه العمرة إسلام شابي قريش – خالد بن الوليد، عمرو بن العاص رضي الله عنهما.
ضد البيزنطيين:
إن هذا الحرب الذي قام به صلى الله عليه وسلم ضد البيزنطيين إثر قتلهم سفيره صلى الله عليه وسلم الحارث بن عمير الأزدي. وفي سنة 8 هـ أمر النبي صلى الله عليه وسلم المسلمين بالتجهيز للقتال، وبلغ عدد المقاتلين في هذه السرية ثلاثة آلاف مقاتل، واختار النبي صلى الله عليه وسلم للقيادة ثلاثة أمراء على التوالي: زيد بن حارثة، ثم جعفر بن أبي طالب، ثم عبد الله بن رواحة. قال صلى الله عليه وسلم "  إن قتل زيد  فجعفر، وإن قتل جعفر فعبد الله بن رواحة ".[2]
وقد انتهت الحرب كما أشار إليه النبي صلى الله عليه وسلم. وكانت هي الحرب التي تدل على خطوة رسول الله صلى الله عليه وسلم التي قام بها النبي صلى الله عليه وسلم للقضاء على دولة الروم المتجبرة في بلاد الشام، وهكذا تعتبر هذه المعركة من أهم المعارك التي وقعت بين المسلمين وبين النصارى الصليبيين من عرب وعجم.
فتح مكة:
وكان أول الأمر أن تعين قريش حلفاءها بني بكر على خزاعة حليفة المسلمين بالخيل والسلاح والرجال، وهذا يعد السبب الرئيسي لأن يخطّ المسلمون خططا لأن يفتح مكة وأهلها. ولما سمع النبي صلى الله عليه وسلم وتأكد من الخبر أرسل إلى قريش فقال لهم: أما بعد فإنكم إن تبرؤوا من حلف بني بكر، وأو تُدوا خزاعة، وإلا أوذنكم بحرب. وفي هذا دليل على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يفاجئ قريشا بالحرب وإنما خيّرهم بين هذه الخصال الثلاث فاختاروا الحرب[3].
 حاول قريش أن يجدّ العهد بالنبي صلى الله عليه وسلم وبعثت أبا سفيان لهذا الهدف المهم، وأتى أبو سفيان رسول الله صلى الله عليه وسلم فكلمه فلم يرد عليه شيئا ثم ذهب إلى أبي بكر فكلّمه أن يكلّم له رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: ما أنا بفاعل، وراود عمر وعليا وفاطمة على ذلك، فلم يجبه أحد إلى ذلك.
وبعد ذلك أمر النبي صلى الله عليه وسلم الناس بالجهاز، واستعان على أمره بالكتمان، ثم أعلم الناس أنه سائر إلى مكة وأمرهم بالجدّ والتجهز، وقال: اللهم خذ العيون والأخبار عن قريش حتى نبغتها في بلادها[4].
وأمام نقض قريش للعهود والمواثيق مع المسلمين فقد عزم رسول الله صلى الله عليه وسلم على فتح مكة وتأديب كفارها، وقد ساعده على ذلك العزم -بعد توفيق الله- عدة أسباب منها:
أ- قوة جبهة المسلمين الداخلية في المدينة وتماسكها: فقد تخلصت الدولة الإسلامية من غدر اليهود، وتم القضاء على يهود بني قينقاع، وبني النضير، وبني قريظة, ويهود خيبر.
ب- ضعف جبهة الأعداء في الداخل: وفي مقدمة هؤلاء المنافقون الذين فقدوا الركن الركين لهم -وهو يهود المدينة- فهم أساتذتهم الذين يوجهونهم ويشيرون عليهم.
ج- اهتم رسول الله صلى الله عليه وسلم بتطوير القوة العسكرية، وإرسال السرايا في فترة الصلح؛ وبذلك أصبحت متفوقة على قوة مشركي قريش حيث العدد والعدة والروح المعنوية.
د- كانت الغزوة بعد أن ضعفت قريش اقتصاديًّا وبعد أن قويت الدولة الإسلامية اقتصاديًّا, فقد فتح المسلمون خيبر وغنموا منها أموالاً كثيرة.
هـ- انتشار الإسلام في القبائل المجاورة للمدينة، وهذا يطمئن القيادة حين تتخذ قرارها العسكري بنقل قواتها ومهاجمة أعدائها.
و- قيام السبب الجوهري والقانوني لغزو مكة, وهو نقض قريش للعهد والعقد[5]. ونلحظ أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يضيع قانون الفرصة وتعامل معه بحكمة بالغة، فكان فتح خيبر, وذلك بعد صلح الحديبية، والآن تتاح فرصة أخرى بعد أن نقضت قريش عهدها، وتغيرت موازين القوى في المنطقة، فكان لا بد من الاستفادة من المعطيات الجديدة، فأعد صلى الله عليه وسلم جيشًا لم تشهد له الحجاز مثيلاً من قبل، فقد وصلت عدته إلى عشرة آلاف رجل[6].
ودخلت قوات المسلمين مكة من جهاتها الأربع في آنٍ واحدٍ, ولم تلق تلك القوات مقاومة، وكان في دخول جيش المسلمين من الجهات الأربع ضربة قاضية لفلول المشركين، حيث عجزت عن التجمع, وضاعت منها فرصة المقاومة، وهذا من التدابير الحربية الحكيمة التي لجأ إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما أصبح في مركز القوة في العدد والعتاد، ونجحت خطة الرسول صلى الله عليه وسلم؛ فلم يستطع المشركون المقاومة، ولا الصمود أمام الجيش الزاحف إلى أم القرى، فاحتل كل فيلق منطقته التي وجه إليها، في سلم واستسلام، إلا ما كان من المنطقة التي توجه إليها خالد[7], فقد تجمع متطرفو قريش ومنهم صفوان بن أمية, وعكرمة بن أبي جهل، وسهيل بن عمرو وغيرهم مع بعض حلفائهم في مكان اسمه (الخندمة) وتصدوا للقوات المتقدمة بالسهام, وصمموا على القتال، فأصدر خالد بن الوليد أوامره بالانقضاض عليهم, وما هي إلا لحظات حتى قضى على تلك القوة الضعيفة وشتت شمل أفرادها، وبذلك أكمل الجيش السيطرة على مكة المكرمة[8].
لقد أعلن في مكة قبيل دخول جيش المسلمين أسلوب منع التجول؛ لكي يتمكنوا من دخول مكة بأقل قدر من الاشتباكات والاستفزازات، وإراقة الدماء، وكان الشعار المرفوع:  “من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن أغلق بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن “، وجعل صلى الله عليه وسلم لدار أبي سفيان مكانة خاصة كي يكون أبو سفيان ساعده في إقناع المكيين بالسلم والهدوء, ويستخدمه كمفتاح أمان يفتح أمامه الطريق إلى مكة دون إراقة دماء, ويشبع في نفسه عاطفة الفخر التي يحبها أبو سفيان حتى يتمكن الإيمان من قلبه[9].
لقد دخل أبو سفيان إلى مكة مسرعًا ونادى بأعلى صوته:
يا معشر قريش, هذا محمد جاءكم فيما لا قِبَل لكم به، فمن دخل دار أبي سفيان فهو آمن، فقامت إليه هند بنت عتبة فأخذت بشاربه فقالت: اقتلوا الحميث الدسم الأحمس -تشبهه بالزق لسمنه-، قبح من طليعة قوم. قال: ويلكم! لا تغرنكم هذه من أنفسكم؛ فإنه قد جاءكم ما لا قبل لكم به، فمن دخل دار أبي سفيان فهو آمن، قالوا: قاتلك الله! وما تغني عنا دارك؟! قال: ومن أغلق عليه بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن. وتفرق الناس إلى دورهم وإلى المسجد([10]).
وقد دخل النبي صلى الله عليه وسلم مكة وعليه عمامة سوداء بغير إحرام, وهو واضع رأسه تواضعًا لله، حين رأى ما أكرمه الله به من الفتح، حتى إن ذقنه ليكاد يمس واسطة الرحل، ودخل وهو يقرأ سورة الفتح([11]) مستشعرًا بنعمة الفتح وغفران الذنوب، وإفاضة النصر العزيز([12]), وعندما دخل مكة فاتحًا -وهي قلب جزيرة العرب ومركزها الروحي والسياسي- رفع كل شعار من شعائر العدل والمساواة، والتواضع والخضوع، فأردف أسامة بن زيد([13]) -وهو ابن مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم- ولم يردف أحدا من أبناء بني هاشم وأبناء أشراف قريش وهم كثير، وكان ذلك صبح يوم الجمعة لعشرين ليلة خلت من رمضان، سنة ثمانٍ من الهجرة([14]).
ومما يدل على عقله الناضج وإدارته المقبول أنه لما تم فتح مكة والسيطرة عليها لم يفعل صلى الله عليه وسلم كما يفعل قادة الأرض في مثل ذلك المقام بل استخدم عقله الدبلوماسي في ذلك الموقف ومنها هاتان الواقعتان التي وقعت في مكة عند فتحها.
وكان مفتاح الكعبة مع عثمان بن طلحة، قبل أن يسلم، فأراد علي رضي الله عنه أن يكون المفتاح له مع السقاية، لكن النبي صلى الله عليه وسلم دفعه إلى عثمان بعد أن خرج من الكعبة ورده إليه قائلا: اليوم يوم بر ووفاء، وكان صلى الله عليه وسلم قد طلب من عثمان بن طلحة المفتاح قبل أن يهاجر إلى المدينة، فأغلظ له القول ونال منه، فحلم عنه, وقال: "يا عثمان، لعلك ترى هذا المفتاح يومًا بيدي, أضعه حيث شئت" فقال: لقد هلكت قريش يومئذ وذلت، فقال: "بل عمرت وعزت يومئذ"، ووقعت كلمته من عثمان بن طلحة موقعًا، وظن أن الأمر سيصير إلى ما قال, ولقد أعطى له رسول الله صلى الله عليه وسلم مفاتيح الكعبة قائلا له: "هاك مفتاحك يا عثمان, اليوم يوم بر ووفاء، خذوها خالدة تالدة لا ينزعها منكم إلا ظالم" وهكذا لم يشأ النبي صلى الله عليه وسلم أن يستبد بمفتاح الكعبة، بل لم يشأ أن يضعه في أحد من بني هاشم، وقد تطاول لأخذه رجال منهم، لما في ذلك من الإثارة، ولما به من مظاهر السيطرة وبسط النفوذ، وليست هذه من مهام النبوة بإطلاق... هذا مفهوم الفتح الأعظم في شرعة رسول الله صلى الله عليه وسلم: البر والوفاء حتى للذين غدروا ومكروا، وتطاولوا.
هذا, وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بلالاً أن يصعد فوق ظهر الكعبة فيؤذن للصلاة, فصعد بلال وأذن للصلاة، وأنصت أهل مكة للنداء الجديد على آذانهم كأنهم في حلم، إن هذه الكلمات تقصف في الجو فتقذف بالرعب في أفئدة الشياطين؛ فلا يملكون أمام دويها إلا أن يولوا هاربين، أو يعودوا مؤمنين.
الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر.
ذلك الصوت الذي كان يهمس يومًا ما تحت أسواط العذاب: أحد، أحد، أحد.. ها هو اليوم يجلجل فوق كعبة الله تعالى قائلا: لا إله إلا الله، محمد رسول الله، والكل خاشع منصت خاضع.
 نال أهل مكة عفوًا عامًّا رغم أنواع الأذى التي ألحقوها بالرسول صلى الله عليه وسلم ودعوته، ورغم قدرة الجيش الإسلامي على إبادتهم, وقد جاء إعلان العفو عنهم وهم مجتمعون قرب الكعبة ينتظرون حكم الرسول صلى الله عليه وسلم فيهم, فقال: "ما تظنون أني فاعل بكم؟" فقالوا: خيرًا أخٌ كريمٌ وابن أخٍ كريمٍ، فقال:  ( لاَ تَثْرَيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللهُ لَكُمْ ) [يوسف:92][15].
وقد ترتب على هذا العفو العام حفظ الأنفس من القتل أو السبي, وإبقاء الأموال المنقولة والأراضي بيد أصحابها, وعدم فرض الخراج عليها، فلم تعامل مكة كما عوملت المناطق الأخرى المفتوحة عنوة؛ لقدسيتها وحرمتها. كان من أثر عفو النبي صلى الله عليه وسلم الشامل عن أهل مكة، والعفو عن بعض من أهدر دماءهم، أن دخل أهل مكة -رجالاً ونساء وأحرارًا وموالي- في دين الله طواعية واختيارًا، وبدخول مكة تحت راية الإسلام دخل الناس في دين الله أفواجا.
دبلوماسيته صلى الله عليه وسلم في مكة بعد فتحها:
رأى صلى الله عليه وسلم أن يتألف الطلقاء والأعراب بالغنائم تأليفًا لقلوبهم لحداثة عهدهم بالإسلام, فأعطى لزعماء قريش وغطفان وتميم عطاء عظيمًا, إذ كانت عطية الواحد منهم مائة من الإبل, ومن هؤلاء: أبو سفيان بن حرب، وسهيل بن عمرو, وحكيم بن حزام، وصفوان بن أمية، وعيينة بن حصن الفزاري، والأقرع بن حابس، ومعاوية ويزيد ابنا أبي سفيان، وقيس ابن عدي([16]). وكان الهدف من هذا العطاء المجزي هو تحويل قلوبهم من حب الدنيا إلى حب الإسلام, أو كما قال أنس بن مالك: إن كان الرجل ليسلم ما يريد إلا الدنيا, فما يسلم حتى يكون الإسلام أحب إليه من الدنيا وما عليها([17]). وعبر عن هذا صفوان بن أمية بقوله: لقد أعطاني رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أعطاني وإنه لأبغض الناس إليَّ فما برح يعطيني حتى إنه لأحب الناس إليَّ([18]).
وقد تأثر حدثاء الأنصار من هذا العطاء بحكم طبيعتهم البشرية, وترددت بينهم مقالة, فراعى صلى الله عليه وسلم هذا الاعتراض وعمل على إزالة التوتر, وبين لهم الحكمة في تقسيم الغنائم, وخاطب الأنصار خطابًا إيمانيًّا عقليًّا عاطفيًّا وجدانيًّا، ما يملك القارئ المسلم على مر الدهور وكر العصور وتوالي الزمان إلا البكاء عندما يمر بهذا الحدث العظيم, فعندما دخل سعد على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إن هذا الحي من الأنصار قد وجدوا عليك في أنفسهم لما صنعت في هذا الفيء الذي أصبت، قسمت في قومك وأعطيت عطايا عظاما في قبائل العرب، ولم يكن في هذا الحي من الأنصار منها شيء. قال:  “فأين أنت من ذلك يا سعد؟ “ قال: يا رسول الله، ما أنا إلا من قومي، قال:  “فاجمع لي قومك في هذه الحظيرة؟ “ قال: فجاء رجال من المهاجرين، فتركهم، فدخلوا, وجاء آخرون فردَّهم، فلما اجتمعوا أتى سعد، فقال: قد اجتمع لك هذا الحي من الأنصار، فأتاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال:  “يا معشر الأنصار, ما قالة بلغتني عنكم، وجدة وجدتموها في أنفسكم، ألم آتكم ضُلاَّلا فهداكم الله بي، وعالة فأغناكم الله بي، وأعداء فألف الله بين قلوبكم؟ “ قالوا: الله ورسوله أمنُّ وأفضل، ثم قال:  “ألا تجيبوني يا معشر الأنصار؟ “ قالوا: بماذا نجيبك يا رسول الله، لله ولرسوله المن والفضل. قال:  “أما والله لو شئتم لقلتم فلصَدَقْتم ولصُدِّقتُم: أتيتنا مكذَّبا فصدقناك، ومخذولا فنصرناك، وطريدًا فآويناك، وعائلا فآسيناك. أوجدتم عليَّ يا معشر الأنصار في أنفسكم في لعاعة من الدنيا تألفتُ بها قومًا ليسلموا، ووكلتكم إلى إسلامكم، ألا ترضون يا معشر الأنصار أن يذهب الناس بالشاء([19]) والبعير، وترجعون برسول الله إلى رحالكم؟ فوالذي نفس محمد بيده لما تنقلبون به خير مما ينقلبون به، ولولا الهجرة، لكنت امرءًا من الأنصار، ولو سلك الناس شعبًا وواديًا، وسلكتْ الأنصار شعبًا وواديًا لسلكتُ شعب الأنصار وواديها، الأنصار شعار والناس دثار([20]), اللهم ارحم الأنصار وأبناء الأنصار وأبناء أبناء الأنصار “, قال: فبكى القوم حتى أخضلوا لحاهم، وقالوا: رضينا برسول الله صلى الله عليه وسلم قسمًا وحظًّا, ثم انصرف رسول الله وتفرقوا([21]), وفي رواية:  “إنكم ستلقون بعدي أثرة فاصبروا حتى تلقوني على الحوض “([22]).
ومما تجدر الإشارة إليه في هذا المقام أن هذه المقالة لم تصدر من الأنصار كلهم، وإنما قالها حديثو السن منهم؛ بدليل ما ورد في الصحيحين، عن أنس بن مالك t أن ناسًا من الأنصار قالوا يوم حنين: أفاء الله على رسوله من أموال هوازن ما أفاء، فطفق رسول الله صلى الله عليه وسلم يعطي رجالاً من قريش المائة من الإبل، فقالوا: يغفر الله لرسول الله! يعطي قريشًا ويتركنا وسيوفنا تقطر من دمائهم، قال أنس بن مالك: فحُدِّث رسول الله صلى الله عليه وسلم من قولهم، فأرسل إلى الأنصار فجمعهم في قبة من أدم, فلما اجتمعوا جاءهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:  “ما حديث بلغني عنكم؟ “ فقال له فقهاء الأنصار: أما ذوو رأينا يا رسول الله فلم يقولوا شيئًا، وأما أناس منا حديثة أسنانهم قالوا: يغفر الله لرسول الله! يعطي قريشًا ويتركنا وسيوفنا تقطر من دمائهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:  “فإني أعطي رجالا حديثي عهد بكفر أتألفهم“([23]).
وكذا نرى في تعامله مع هوازن لما أسلمت مقدرته السياسية والدبلوماسية، وذلك حين جاء وفد هوازن لرسول الله بالجعرانة وقد أسلموا, فقالوا: يا رسول الله, إنا أصل وعشيرة, وقد أصابنا من البلاء ما لم يخف عليك, فامنن علينا منَّ الله عليك. وقام خطيبهم زهير بن صرد فقال: يا رسول الله, إنما في الحظائر من السبايا خالاتك وحواضنك اللاتي كن يكفلنك, ولو أنا ملحنا لابن أبي شمر أو النعمان بن المنذر([24]) ثم أصابنا منها مثل الذي أصابنا منك رجونا عائدتهما وعطفهما, وأنت رسول الله خير المكفولين, ثم أنشأ يقول:
فإنك المرء نرجوه وننتظر([25])


امنن علينا رسولَ الله في كرم

إلى أن قال:
إذ فوك يملؤه من محضها درر


امنن على نسوة قد كنت ترضعها

وإذ يزينك ما تأتي وما تذر


امنن على نسوة قد كنت ترضعها

فكان هذا سبب إعتاقهم عن بكرة أبيهم, فعادت فواضله عليه السلام عليهم قديما وحديثًا وخصوصًا وعمومًا([26]).
فلما سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوفد قال لهم:  “نساؤكم وأبناؤكم أحب إليكم أم أموالكم؟ “ فقالوا: يا رسول الله خيَّرتنا بين أحسابنا وأموالنا؟ بل أبناؤنا ونساؤنا أحب إلينا، فقال رسول الله:  “أما ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لكم، وإذا أنا صليت بالناس فقوموا فقولوا: إنا نستشفع برسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المسلمين, وبالمسلمين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في أبنائنا ونسائنا, فإني سأعطيكم عند ذلك وأسأل لكم “ فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناس الظهر قاموا فقالوا ما أمرهم به رسول الله صلى الله عليه وسلم, فقال:  “أما ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لكم “ فقال المهاجرون: وما كان لنا فهو لرسول الله صلى الله عليه وسلم, وقالت الأنصار: وما كان لنا فهو لرسول الله صلى الله عليه وسلم, وقال الأقرع بن حابس: أما أنا وبنو تميم فلا، وقال عيينة: أما أنا وبنو فزارة فلا، وقال العباس ابن مرداس السلمي: أما أنا وبنو سليم فلا، فقالت بنو سليم: بل ما كان لنا فهو لرسول الله صلى الله عليه وسلم، قال عباس بن مرداس لبني سليم: وهنتموني؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:  “من أمسك منكم بحقه فله بكل إنسان ستة فرائض من أول فيء نصيبه, فردوا إلى الناس نساءهم وأبناءهم “([27])، وفي رواية... فخطب رسول الله صلى الله عليه وسلم في المؤمنين فقال:  “إن إخوانكم هؤلاء جاءونا تائبين، وإني أردت أن أرد إليهم سبيهم، فمن أحب منكم أن يطيب ذلك فليفعل، ومن أحب أن يكون على حظه حتى نعطيه إياه من أول ما يفيء الله علينا فليفعل “ فقال الناس: قد طيبنا ذلك يا رسول الله، فقال لهم:  “إنا لا ندري من أذن منكم في ذلك ممن لم يأذن، فارجعوا حتى يرفع إلينا عرفاؤكم أمركم “ فرجع الناس فكلمهم عرفاؤهم ثم رجعوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبروه أنهم طيبوا وأذنوا([28]) وقد سر الرسول صلى الله عليه وسلم بإسلام هوازن وسألهم عن زعيمهم مالك بن عوف النصري، فأخبروه أنه في الطائف مع ثقيف, فوعدهم برد أهله وأمواله عليه، وإكرامه بمائة من الإبل إن قدم عليه مسلمًا، فجاء مالك مسلمًا فأكرمه وأمّره على قومه وبعض القبائل المجاورة. لقد تأثر مالك بن عوف وجادت قريحته لمدح النبي صلى الله عليه وسلم فقال:
في الناس كلهم بمثل محمد


ما إن رأيت ولا سمعت بمثله

ومتى تشاء يخبر عما في غد


أوفى وأعطى للجزيل إذا اجتدى

بالسمهري وضرب كل مهند


وإذا الكتيبة عردت([29]) أنيابها

وسط الهباءة([30]) خادر([31]) في مرصد([32])


فكأنه ليث على أشباله

لقد كانت سياسته صلى الله عليه وسلم مع خصومه مرنة إلى أبعد الحدود؛ وبهذه السياسة الحكيمة استطاع صلى الله عليه وسلم أن يكسب هوازن وحلفاءها إلى صف الإسلام، واتخذ من هذه القبيلة القوية رأس حربة يضرب بها قوى الوثنية في المنطقة ويقودها زعيمهم مالك بن عوف الذي قاتل ثقيفًا في الطائف حتى ضيق عليهم، وقد فكر زعماء ثقيف في الخلاص من المأزق بعد أن أحاط الإسلام بالطائف من كل مكان فلا تستطيع تحركًا ولا تجارة، فمال بعض زعماء ثقيف إلى الإسلام مثل عروة بن مسعود الثقفي الذي سارع إلى اللحاق برسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في طريقه إلى المدينة بعد أن قسم غنائم حنين واعتمر من الجعرانة، فالتقى به قبل أن يصل إلى المدينة، وأعلن إسلامه وعاد إلى الطائف، وكان من زعماء ثقيف محبوبًا عندهم، فدعاهم إلى الإسلام وأذن في أعلى منزله فرماه بعضهم بسهام فأصابوه, فطلب من قومه أن يدفنوه مع شهداء المسلمين في حصار الطائف([33]).



[1]  هذا الحبيب يا محب لأبي بكر جابر الجزائري ص: 244.
[2]  البخاري كتاب المغازي رقم: 4261.
[3]  السيرة النبوية ، الدكتور علي محمد الصلابي، ص: 887
[4]  ابن هشام ص: 397.
[5] السيرة لأبي فارس، ص401.
[6] الكامل في التاريخ  2/244 ، التاريخ السياسي والعسكري ص366.
 [7] صور وعبر من الجهاد النبوي في المدينة، ص397.
 [8] قيادة الرسول صلى الله عليه وسلم السياسية والعسكرية، ص122، 123.
 [9]    دراسة في السيرة، د. عماد الدين خليل، ص245.
 [10]    البداية والنهاية  4/290 .
 [11]  البخاري، كتاب المغازي  5/108  رقم 4281.
 [12]     صور وعبر من الجهاد النبوي في المدينة، ص396.
 [13]  البخاري، كتاب المغازي رقم 4289.
 [14]    السيرة النبوية لأبي الحسن الندوي، ص337.
[15]  السيرة النبوية للدكتور على محمد الصلابي ص: 762، 763.

 [17]  مسلم، كتاب الفضائل، باب ما سئل رسول الله شيئًا قط  4/1806  رقم 2312.
 [18]  المصدر نفسه  4/1806  رقم 2313.
 [19]  بالشاء: أي الشياه وهي الأغنام.
 2  دثار: هو الثوب الذي يكون فوق الشعار.

 [21]    زاد المعاد  3/474 .
 [22]  مسلم، كتاب الزكاة، باب إعطاء المؤلفة قلوبهم  2/738  رقم 1061.
 [23]  مسلم، كتاب الزكاة، باب إعطاء المؤلفة قلوبهم  2/734  رقم 1509.
 [24]    البداية والنهاية  4/352 .                        
 4  المصدر نفسه  4/352 .

 [26] البداية والنهاية  4/363، 364 .                    
 [27] البداية والنهاية  4/352، 353 .
 [28]  البخاري، كتاب المغازي، رقم 4319.
 [29]  عردت: اشتدت وضربت، القاموس المحيط  1/313 .
 [30]  الهباءة: غبار الحرب, مختار الصحاح، ص689.
 [31]  الخادر: المقيم في عرينه، والخدر ستر يمد للجارية من ناحية البيت.
 [32]    السيرة النبوية لابن هشام  4/144 .
 [33]    السيرة النبوية لابن هشام  4/192 . 

0 comments:

إرسال تعليق