السبت، 25 يناير 2014

كلمة أولى لأنيس منصور

كلمة أولى
قال لي السفير المصري: يمكنك أن تأكل أي شيء الآن.. وبعد ذلك تتناول عشاءك معنا، مادمت مصرّا على الصيام.. واسترحت إلى هذا الحل. فلم أجد سببا قويا يمنعني من الصيام ما دمت قادرا. ولم أر غروب الشمس ولم أسمع أذانا من أي مسجد. فمسجد طوكيو بعيد جدا. ولا أعرف ما الذي يفعلونه هنا في رمضان. وإن كنت أتمنى أن أرى وأشارك وأعرف وأكتب بعد ذلك. وحسبت فرق التوقيت بيننا وبين القاهرة فوجدته سبع ساعات.. وسألت عن غروب الشمس.. فوجدت أن أمامي نصف ساعة. وجلست أفكر في الطعام والشراب. أما الشراب فأعرفه تماما. إنه كوب شاي ساخن. وفتحت الثلاجة الصغيرة فوجدت بها مشروبات كثيرة وبعض الشيكولاتة والبسكويت. ومددت يدي إلى التليفون أطلب أي سندوتشات جبنة. ودار الحوار بيني وبين الجرسونة.. هي تسأل: تريد سندوتشات؟
-       نعم.
-       كم عددها؟
وتذكرت أنني في اليابان فكل شيء عندهم صغير. فإذا قلت لها: سندوتشات فسوف يكون في حجم علبة السجائر.. وإذا طلبت منها سندوتشا كبيرا فسوف يجيء في حجم الكف وأنا ميت من الجوع.. فقلت لها: أكبر سندوتش عندك.. واحد.. اثنين.. ثلاثة..
-       يعني كم؟
-       يعني ثلاثة سندوتشات كبيرة محشوة بالجبن.. كثير من الجبن..
-       هل عندك طماطم؟
-       طازة؟... كم واحدة.
-       هل هي صغيرة أو كبيرة؟
-       صغيرة.
-       خمس حبات.
-       هل عندك ليمون؟
-       زجاجة؟ - لا..
-       عصير ليمون طازة.
-       لا أفهم..
-       مش مهم.. مش عاوز ليمون هذا يكفي. شكرا. وطلبتني تسألني: هل أريد السندوتشات؟
-       نعم.
-       ولكنك شكرتني من دون أن أعرف..
-       شكرتك طبعا.. فماذا فهمت أنت؟
-       ظننت أنك شكرتني على الحديث معك ومحاولة التفاهم..
-       يا ستي هات أي حاجة في عرضك أنا صايم.
-       ماذا تقول؟
-       لم أقل أي شيء.. أريد السندوتشات بسرعة..
-       بسرعة يعني بعد كم من الوقت.
-       كم تحتاجين من الوقت؟
-       ساعة!
-       يا نهار أسود. هات السندوتشات من غير جبنة. أو هات الجبنة من غير سندوتش ممكن؟
-       لم أفهم..
-       أين أنت؟
-       في المطعم.
-       وأين هذا المطعم.
-       في الغرفة11370
-       وأين هذه؟
-       في الدور الحادي عشر..
-       وكيف أصل إليك..
قالت: أن آخذ الأسانسير إلى الدور الخامس.. واتجه إلى اليمين، ثم آخذ الأسانسير إلى الدور الثامن.. ثم اتجه إلى اليسار، وآخذ الأسانسير إلى الدور الحادي عشر.. وسوف أجدها في انتظاري..
سألتها: وكم أحتاج من الوقت لكي أصل إليك؟
-       نصف ساعة!
وسألتها: لو أنت جئت فكم تحتاجين من الوقت؟
قالت: ساعة تقريبا. فصرخت: لماذا وأنت تعرفين الطريق أكثر مني
-                   نعم.. ولكن لا بد أن أسجل كل ذلك في الأوراق ثم إن هذا النوع من السندوتشات ليس موجودا هنا.. يجب أن أذهب إلى الفرن..
-                   لماذا؟ لأننا لا نتناول هذه الكميات الكبيرة من الطعام.. إنها تكفي لعشرة من اليابانيين وأولادهم!
-                   يا بنتي أنا جائع جدّا.. هات لي سندوتشا واحدا. كم تحتاجين من الوقت؟
-                   ساعتين.
-                   لماذا؟
-                   لأنني يجب أن أذهب إلى الفرن وألغي طلباتك كلها. وأكتب اعترافا رسميا بأنها غلطتي.. وأنا اللي فهمتك خطأ.. وأكتب أنا مستعد لأن أدفع ثمن هذه السندوتشات. فهي غلطتي.
-                   وإذا عدلت عن هذه السندوتشات. وقررت أن أدفع هذه الغرامة نيابة عنك..
-                   هذا مستحيل. أنا غلطانة ويجب أن ألقي جزائي!
-                   وأنت وما ذنبك؟
-                   أنا فهمت غلط. وقد طلبت مني الإدارة من ستة شهور أن أتقن اللغة الإنجليزية. فكذبت عليها وقلت إنني أتقنها!
-                   يمكن أنا اللي لغتي الإنجليزية ضعيفة. ولذلك أنت لم تفهميني!
-                   الزبون على حق دايما يا سيدي! وأرجوك ألا تفعل شيئا من أجلي حتى لا يساء فهمي. وحتى لا تظن الإدارة أنني رجوتك أن تفعل ذلك.
-                   ولكنك لم تطلبي مني شيئا؟
-                   أنا فقط التي تعرف ذلك.
-                   وإذا فعلت؟
-                   فسوف يلقون ملابسي من النافذة.
-                   في اليابان يفعلون ذلك؟
-                   ولكني لست يابانية!
-                   ..................
وانسدت نفسي وضرب المدفع في القاهرة وتوالي صوت الأذان في كل الدول الإسلامية.. وأكلوا وشربوا وناموا وقاموا يستعدون لتناول السحور.. وأنا لم أذق لقمة واحدة، ولا في نيتي أن أفعل ذلك بعد الذي حدث!
وفي حياتي حكايات أخرى أعجب وأغرب.

0 comments:

إرسال تعليق