السبت، 25 يناير 2014

لماذا يكرهون اليابان لأنيس منصور

لماذا يكرهون اليابان؟
العامل كله يتفرج على عجائب الصناعات اليابانية، ويريد أن يفهم.. أو أن يعرف سرّ هذه العظمة العلمية والصناعية، ولكن اليابانيين يضحكون دائما ولا يقولون شيئا. ويكون هذا السكوت دافعا قويا لأن يحاول العالم أن يفك طلاسم التقدم العلمي الباهر لشعب في المائة سنة ماضية..
فما هي المعجزة اليابانية؟
بالضبط، ما هذا الذي حققته اليابان/ألمانيا الآسيوية؟
كيف أن شعبا بدأ تطوره وحركة تنويره معنا، نحن المصريون، ثم هو يتقدمنا وغيرنا من شعوب العالم مئات السنين.. كيف فعلها؟ ولا يزال يتقدم الشعوب الأوروبية والأمريكية.. إن اليابانيين لا يقولون شيئا، ولايعترضون على أي شيء يقال عنهم..
يقال إن المعجزة اليابانية: هي الصبر.
ويقال: إنه التماسك العائلي.. فالشركة أو المصنع هو عائلة يعيش فيها كل واحد ويموت ولا يخرج منها ولا يخرج عنها.. فالعامل الذي يعمل في إحدى الشركات لم يحدث أن أن تركها أو فصلوه منها.. قبلت شركة منافسة عاملا أو مهندسا كان يعمل في شركة أخرى.. فهو إذن يولد ويعيش ويموت في شركة واحدة، هي التي تعلمه وتزوجه وتعالجه وتزوج أولاده وأحفاده..
ولا يستطيع أي إنسان في العالم أن يكون له مثل هذا السلوك الياباني.. ولا يطيق أحد هذه "التبعية" المطلقة لشركة أو لمصنع. ولكنهم في اليابان يقبلون ذلك ولا يريدون غيره.. فهل هذا هو سرّ العظمة اليابانية؟ إذن فما سرّ العظمة الألمانية؟ ما سر الشعب الذي مسح به الحلفاء الأرض وما تحت الأرض فقام جبارا قويا عنيفا.. أعظم وأروع من الروس والأمريكان والإنجليز والفرنسيين الذين احتلوه وأهانوه وأذلّوه!
لقد احتج 14 ألف أستاذ في علم النفس الاجتماعي والصناعي في العام الماضي، والتفتوا إلى الدنيا من حولهم، واتخذوا قرارا. القرار: إن العالم كله يكره الشعب الياباني، هذه حقيقة. يعجب به ولكن لا يحبه. السؤال: لماذا يكرهنا العالم كله؟
هذه هي القضية التي التفّ حولها كل أستاذة علمي النفس والاجتماع وخبراء الصناعة والزراعة والتجارة والإعلان.. والمطلوب هو معرفة: لماذا؟
يتساءلون هل لهذه القضية ما يبرّرها؟ وإن كانت الكراهية لأسباب حقيقة، فكيف نكسب العالم الذي خسرناه؟... وهل يستطيع الشعب الياباني الذي أكد عبقريته في إبهار الناس وغزو الأسواق وخراب بيوت كثير من المصانع المنافسة لليابان... هل هذا الشعب يستطيع أن يكون عبقريا في محبة الناس – أي في جعل الناس يحبونه.. هل تستطيع اليابان أن تخلق الحب لها في العالم.. هل يمكن "تخليق" الحب.. هل يمكن تصنيع الحب لكل ما هو ياباني.. وكم يتكلف الحب؟
أما الكراهية فقد كلفت الشعب الياباني عرقا ودموعا ودما وموتا مائة عام وزيادة.. فهل اليابان في حاجة إلى مائة سنة أخرى لكي يكون حبها عالميا كما أن الإعجاب بها عالمي أيضا؟
فاليابان أرض ضيقة وأناس كثيرون.. وليست في بلاد اليابان موارد طبيعية.. ربماكان الماء –المحيطات، وقد استخرجوا منه السمك واللؤلؤ.. أما اللؤلؤ فقد اخترعوا له حلا سريعا لنموه.. فبدلا من أن ينتظروا قواقع اللؤلؤ تنمو فيها حبات اللؤلؤ سنة بعد سنة.. إلى خمس سنوات.. فإنهم وضعوا في داخل محارة اللؤلؤ نوعا من الكرات الصغيرة المصنوعة من محارات أسماك أمريكية.. هذه الحبات الصغيرة يجيء حيوان للؤلؤ ويفرز حولها المادة الفضية في سنة..أو أقل.. وهذا هو اللؤلؤ المزروع.. وقد كنت أول عربي يرى مزارع ومصانع اللؤلؤ سنة 1959م في مدينة توبا.. وقد تطورت زراعة اللؤلؤ فهم الآن يتحكمون في حجمه وفي لونه.. ودرجة شفافيته.. ولا يملك حيوان اللؤلؤ إلا أن يطيع.. وقد ابتكر هذه الطريقة البسيطة العبقرية رجل اسمه ميكو موتو.. وهو اسم على أكبر محلات ومزارع اللؤلؤ في العالم..
أذكر أنني قابلت أحد أحفاده في طوكيو وأبديت إعجابا ساذجا بزراعة اللؤلؤ، فكان الحفيد ينحني ويتراجع ويشير إلى الوراء.. ولم أفهم معنى الانحناء مع الإشارة. أما الانحناء فهو الأدب الياباني التقليدي في الشارع وفي البيت وأنت تتناول العشاء مع أي أحد.ز أما الإشارة باليد فهي إلى تمثال مصنوع من حبات اللؤلؤ لجده السيد ميكوموتو..
وقد برع اليابانيون في كل شيء كما برعوا في زراعة اللؤلؤ.. أخذوا من أوروبا وأمريكا وطوّروا وأضافوا وأبدعوا.. ونافسوا كل الدول التي سبقت اليابان في كل هذه الصناعات..فالأمريكان –مثلا- اخترعوا الترانزستور واليابانيون طوّروه وجعلوا سعره أرخص ولا نهاية لأشكاله وألوانه.. وقاموا بغزو شامل كاسح لكل أمريكا وأوروبا.. وكذلك التليفزيون والمسجلات والساعات والكاميرات والعدسات والسيارات.. والآن سفن الفضاء والصواريخ.. وأدوات التجميل والموضات وكل الأجهزة الطبية والإلكترونية..إلخ.
ولايزال علماء النفس يبحثون ويتساءلون إن كان هذا هو السبب في كراهية الناس لهم، أي كراهية الناس لمن يعيش معهم تحت نفس السماء وفي نفس المحيط وفجأة يسبق الجميع سرا ودون أن يدري أحد كيف حدث ذلك.
كيف كانت البداية؟
البداية كانت معنا.. فعندما كان رفاعة الطهطاوي ومن بعده علي مبارك يدرسان في فرنسا ويترجمان الدستور الفرنسي والنظريات الاجتماعية والسياسية، ويقارنان بين حضارة الإسلام وحضارة المسيحية وينقلان كل ذلك إلى مصر وفي حالة انبهار أدبي وفكري، كان اليابانيون يرتادون أوروبا وأمريكا بحثا عن سر تقدم الغرب لكي يتقدموا مثل الغرب ويتقدموا على الغرب أيضا.. لقد كانت ثورة!
والثورة اليابانية هي الثورة الوحيدة في تاريخ الإنسان في كل العصور التي قامت وتحققت دون إراقة دماء.. الثورة الفرنسية كان فيها إعدام وإحراق ودم.. والثورة الأمريكية عرفت الدماء والنار والدخان.. والثورة الروسية أعدمت عشرات الملايين، إلا ثورة اليابان، فلا قطرة دم واحدة.. ثم إنها ثورة بمعنى الكلمة: تغيير جذري للنظر إلى الحياة، وأدوات الحياة.. وتعديل نهائي في مسار علاقات الإنتاج وشكل الإنتاج وقفزة بعيدة جدا باليابان إلى بداية خط السباق مع الغرب وبمنتهى الجدية والتركيز الشديد والتضحية اللانهائية.. كثير من العرق والدموع ولا نقطة دم واحدة!
وقد بدا كل شيء يتغير في اليابان من حادثة واحدة. فوجئ أبناء طوكيو بسفينة حربية كبيرة، السفينة نزل منها رجل طويل أبيض أحمر. يرفع العلم الأمريكي ويريد أن يتحدث مع أي أحد مسؤول، فلم يتحدث إليه أحد. فهم لايفهمون كيف جرؤ هذا الأجنبي على أن يلوّث المياه المقدسة لليابان. ولماّ لم يجد القائد الأمريكي أحدا غادر المياه اليابانية ليعود إليها بعد عام- أي سنة1854م. ولم تكن سفينة واحدة، وإنما أربع سفن وعلى ظهرها 560 بحارا.. يريد مسؤولا يتحدث إليه.. ويقدم إليه هذه الهدايا الكثيرة من فساتين السيدات والمجوهرات والأحذية والأطعمة الأمريكية.. ويريد أن تسمح اليابان للأسطول الأمريكي بأن يتزود بالماء. وإذا مرض أحد من البحارة، فلتسمح له اليابان بالعلاج.. وهو في نفس الوقت يطلب التبادل التجاري بين البلدين.. يبيع سلع أمريكا ويشتري سلع اليابان.. ومن حق الأسطول الياباني – إن كاد هناك – أن يذهب إلى الشواطئ الأمريكية ويتمتع بنفس المزايا. ووجد أحدا، واتفق معه وغادر المياه المقدسة.
ولكن دهشة الشعب الياباني لم تنته: السفينة وحجم السفينة.. وأجهزة السفينة وملابس الجنود والضباط وطعامهم.. وأدوات الأكل والشرب.. كل ذلك لم يكن يصنعه أو تخيل لحظة أنه قادر على ذلك.. ولم تنته الدهشة.. ولم تنته الصدمة الحضارية.. كأن السفينة الأمريكية مليون لغم عائم انفجر فانفتحت رؤوس الناس وعيونهم وانطلق خيالهم إلى بعيد، ما هذا؟ كيف هذا؟ لماذا؟ أين نحن وأين هم؟ وكيف السبيل إلى هذه الحضارة الجديدة؟!
ولا يزال علماء النفس يتساءلون إن كان هذا الحادث العابر هو الذي جعل العالم كله يحقد على الشعب الياباني وحسه المرهف وخياله اللانهائي الذي تأثر بحادث عارض فثار على القديم كله وابتدع الجديد.
ودخل الأمريكان والأوروبيون إلى بلاد اليابان وطلبوا معاملات ممتازة، وذاق اليابانيون المرّ أشكالا وألوانا بسبب هذه الامتيازات- التي تجرعناها نحن أيضا في مصر وفي نفس الوقت..
وبسرعة أوفدت اليابان عددا من المثقفين إلى أوروبا وأمريكا، ليروا ويفهموا ويعودوا لكي يعلموا الشعب الياباني.. ذهبوا إلى أوروبا وعاشوا.. ورأوا وكتبوا وفهموا وناقشوا وقرروا.. أما الذين ذهبوا إلى أمريكا فلم يبهرهم شيء هناك، فقط عندما حضروا إحدى الحفلات وجدوا الرجال يقفون أمام النساء.. ثم تنهض المرأة والرجل يلف يده حول خصرها وترقص هي وهو على أطراف الأصابع مع الموسيقي.. ساعة وراء ساعة. كان ذلك أعجب ما شاهدوا في الدنيا.. كيف يتقارب الرجل والمرأة هكذا علنا؟! كيف يعانقها علنا ويراقصها علنا ويتلامسن أثناء الرقص؟ هذا ما لايمكن أن يحدث في اليابان.. فالمسافة بين الرجل والمرأة كبيرة جدا.. والكفلة لا يمكن أن تزول هكذا.. ولا المسافات.. أما كل الذي رآه في أمريكا فيمكن تقليده وتنفيذه.. إلا هذا الرقص فيحتاج إلى عشرات السنين لتغيير سلوكيات وتقاليد اليابان..
ولم يشغلهم الرقص كثيرا..
ولكنهم عادوا ببرنامج عمل بسيط جدا.. هو الثورة الحقيقية.. بل الثورة الوحيدة البيضاء الباهرة في تاريخ الإنسان.. لأنها غيرت كل شيء حتى وصلت باليابان إلى ما هي عليه الآن.. فماذا فعل هؤلاء المثقفون.
أولا: استدعوا عددا من الإنجليز لكي يعلموهم صناعة السكك الحديدية والتليفونات.
ثانيا: وعددا من الفرنسيين ليصنعوا لهم دستورا جديدا.
ثالثا: طلبوا من الألمان أن يعلموهم بناء المستشفيات وصناعة الدواء.
رابعا: من الأمريكان أن يقيموا لهم المدارس ويضعوا لهم البرامج التعليمية..
خامسا: طلبوا من الإيطاليين أن يعلموهم الرسم والنحت والموسيقي.
وجاء هؤلاء الخبراء إلى اليابان وأقاموا سنة وسنة أخرى.. وعلموا مئات اليابانيين. وودعهم اليابانيون بانحناء عميق وامتنان عظيم.. ثم أقفلوا على أنفسهم المصانع والورش والمدارس.. وبدأت اليابان تغير حياتها وأسلوبها وموقعها على خريطة الدنيا.. ويكفي أن نعلم أن اليابان هي أول دولة استخدمت اللاسلكي في الحرب سنة 1904م اللاسلكي الذي تعلمته من بريطانيا.. فقد رصدت اليابان حركات الأسطول الروسي الذي اتجه يضرب اليابان في مياهها.. فرصدوا تحركات الأسطول الروسي باللاسلكي.. أحرقوا 27سفينة روسية. وكان ذلك أعظم إعلان عن اليابان الجديدة..
هذه هي كل أسرار النهضة اليابانية.. التنوير الياباني.. لا أسرار ولا ألغاز.. وإنما هم أناس رأوا الغرب، ودرسوا وحللوا، وقرروا وصمموا، فكانت ثورتهم على أنفسهم في كل شيء!
فهل هذا معقول؟
نعم هذا هو المعقول في الفكر الياباني، والثورة الجبارة الهادئة التي دفعت اليابان إلى الأمام في كل المجالات. في السلام وفي الحرب.. وفي الأرض وفي الفضاء.. فغزوا كل الأسواق بلا منافس.. ولم ينافسها أحد إلا تغلبت عليه..
أليس من الطبيعة أن يكرهها العالم؟
فكيف طبيعيا أن يحبها العالم؟ هذا ما يبحثه منذ العام الماضي ألوف علماء النفس والصناعة والزراعة والطب في كل الجامعات اليابانية لعلهم يخرجون بوصفة جديدة للحب.. يمكن تطبيقها وتشريعها.. أي المطلوب هو أن يضعوا "حجاب المحبة والقبول" للشعب الياباني عند العالم كله، هل هذا ممكن؟ اليابانيون يقولون إنه ممكن.. ولابد أن نصدقهم.. فالذي فعلوه في كل المجالات يقنعنا بقدرتهم الفذة على صنع المعجزات.. وإذا كانوا قد صنعوا المعجزات التي أوغرت عليهم قلوب الدنيا، فيس بعيدا أن يصنعوا ما يجعل القلوب تحبهم..
ممكن؟
إنهم يؤكدون أن هذا ممكن..!

0 comments:

إرسال تعليق